موقع ماسات


العودة   منتديات ماسات > ماسات أدبية > مكتبة ماسات العامة
إهداءات ماسات


Like Tree2Likes
  • 2 Post By صبر يآ صبر

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 20/12/2011, 01:36 AM   #1 (permalink)
{آَفًـاً قً لاً تًدًرًكً}
 
الصورة الرمزية صبر يآ صبر
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 779
صبر يآ صبر will become famous soon enough
Icon26 ديمة ,’


(1)


عودي يا صبية وأغلقي الباب جيدا فلا مطر ، ولا حمامة تحمل رسالة ، ولا تفاح في الحقل ، عودي وخبئي وجهكِ في معطفكِ قبل أن تشيخ بكِ الرياح وتذبل ورود وجنتيكِ . أطرقت الصبية عائدة في الطريق الذي أتت معه ، ثلاثة أكواخ تعبرها تقف عند أوسطها تتنهد وتكمل مسيرها .

صوت باب الكوخ يغلق .
الفتاة : صباح الخير .
الأم : صباح الخير ؛ أين كنتِ ؟
الفتاة : أتفقد حقل العم رامي .
الأم : حسنًا تعالي الإفطار جاهز .

تضع معطفها جانبًا وتلتحق بأمها على الطاولة الخشبية ذات الثلاثة كراسي . والتي ظل كرسيها الثالث شاغرًا .
كل شيء يبدو ساكنًا في تلك الجزيرة ، أهلها وشواطئها وسياحها ، إلا قلب صبية السبعة عشر ربيعًا ثائرًا في ليالي الصيف ، ذابلا في أيام الخريف ، حزينا في مساءات الشتاء ، راقصا في صباحات الربيع ، هي ابتسامة الصباح لأهل هذه الجزيرة ، كالشمس كل صباح تطل عليهم تمنحهم الأمل وعمرا جديدا ؛ هي القلب النابض لهم ، هي الأغنية المفضلة التي يحفظونها كنشيد وطني يرددونه كل الأوقات ؛ وهي الصوت الذي به يحل السلام عليهم .




(2)


في كوخ العم رامي استعذبت تلك الصبية رائحة لفائف التبغ التي يحرقها بشراهة , وصوت صفحات الكتب يقلبها بين يديه , وأغنيات أم كلثوم التي يضج بها المكان وأوراقه المترامية في كوخه الصغير , والأكواب المترامية فوق بعضها على الجانب الأيسر من مكتبه ورائحة القهوة السوداء التي يملؤها بها .
فصارت كل مساء تنزوي في كوخه , مكانها المعتاد الأريكة الحمراء يصنع لهما القهوة ويلتحق بها ليجلس على الأرية يتبادلان الحديث وأخبار أهل الجزيرة .
تخبره عن جهاد الشاب الذي يقبل يديها طالبًا أن يحمل سلة التفاح ليبيعها بدلًا عنها في السوق فيحظى بالتقاء عينيه بعينيها .
وعن جارهم ذي الخمسة أطفال الذي يلتهم جسدها بعينيه من حين خروجها من كوخهم وحتى يضيع طيفها بين المشاة في الزقاق الضيق . وعن الأطفال " سكاكر الحياة " كما تسميهم , الذين يلتفون حولها لتغني لهم وتراقصهم .
وحينما تنتهي أحاديثهما يستأذنها العم رامي ليعود للغرق في صفحات الكتب , ويدخن سجائره , ويتركها تغوص في تفاصيل مبعثرة في داخلها تبدأ بنحتها على الورق .
في أحد المساءات وحينما كانت ملامح وجهها تتراقص فرحًا وروحها تحولت لفراشة ربيع تحلق في أرجاء الكوخ جاء صوتها الطفولي : أتعلم يا عم !
العم رامي : ماذا ؟
... : أنت تلهمني , تلهمني بهذه الفوضى التي تسكنك تسكن هذا الكوخ , في لوحاتك التي ترسمها وتبقيها بلا تكملة , بكتبك البالية من كثرة القراءة , بالأغنيات القديمة التي تحرص على ألا تغلقها طوال يومك , وصورك العتيقة المعلقة بفوضى على جدارن الكوخ , بفنجان قهوتك السوداء , وبابتسامتك الهادئة .
العم رامي منتشيًا بما قالته الصبية : لكل منا عالمه الخاص , لكل منا سكنٌ يأوي إليه , ويضيع فيه , هذا الكوخ وضعته لينطق كل شبر منه باسمي ويتمتع بفوضويتي المجنونة ويبقى لي وحدي .
الصبية عادت لتقول : هل يعقل أن المكان الذي ينبض بأشيائك بخاصيتك يكون نفسه الملهم لي , فهو أصبح ملاذي الوحيد الذي الجأ إليه حينما تلفظني هذه الحياة وتقسو عليّ .
العم رامي : الحياة لا تقسو على أحد , أنتِ يا صغيرتي لم تلتفتي للجانب الآخر منها لم تنظري للبعد الذي لا يلمح منه إلا بياض يميل للشفافية , الجانب الجميل الذي يستعد لاحتضانك يومًا .
..... : الجمال رحل .. رحل , وما عدا ذلك لا يستحق . صمتت برهة وقالت : أتعلم أنت أبي الروحي أبي الذي لم ينجبني , وهذا الكوخ وطني , وما عدا ذلك " فراغ " !
وزرعت عينيها في الجهة المقابلة ناحية لوحة " العشاء الأخير " * اللوحة الوحيدة المعلقة بين الصور العتيقة . ليأتي صوت العم رامي هادئًا دافئًا يحاكي شيئًا في داخل تلك الفتاة : وماذا بعد هذه الرسائل ؟
..... : فراغ مقلق , مجرد رسائل كتبت لا لتصل .
أكتبها فربما تحقق الحلم يومًا فعاد . أكتبها لأشفى من الوجع الذي يسكنني ويبعثرني كل ليلة ويصنعني أملًا يشع به وجه الصباح . أكتبها فلعل الصورة التي تآكلت تحيا من جديد . أكتبها لكي أستعيد لحن أُغنية تلاشى واختفى في حنجرتي .
قبلت جبين العم رامي منهية حديثها ومساءها معه , حملت قبعتها وكتابًا ورسائل تحرص على ربطها بشريط دانتيل أحمر .
عند الباب أشارت بأصابعها وقالت : وداعًا يا عم , تصبح على طوق فرح .
ليرد عليها : وتصبحين على عينيه , وداعًا يا جميلة .




(3)


كل الرسائل التي نحتتها بدقة متناهية على أوراق بلت مع مرور الزمان , تركتها يومًا متعمدة على مكتب العم رامي بإهمال دون أن تُحكم ربطها بالشريط الدانتيل الأحمر .


- الرسالة الأولى :

شيء ما مرغ جسدي في التراب ، بلل شفتيّ وأودع في قلبي ابتسامة عذبة ، شيء أشبه بالحلم الوردي الذي لا يأتي إلا مرة واحدة في الحياة ، شيء أعظم من حصوله في سنة ، يشبه المطر أنعش الروح وبعث فيها خيوط الفرح ، يشبه سكاكر الأطفال الملونة بعثر ألوانه في عالمي ، كالبحر ما إن ابتدأ به حتى أعطش لأوله وأنا لم أنتصف فيه بعد ، شيء من الدهشة المفاجئة ، أرسله لي أبي من الجنة على جناح طائر فينيق ، كالجنون أصابني وكرعشة الطفل حين ولادته , صافيًًا كالبلور اللامع ملئني بالدهشة , شيء جميل بجمال العمق الذي خلفه بداخلي .


- الرسالة التاسعة والخمسون :

الرجل الأسمر ، ذو المنكبين العريضين ، فارع الطول ، ذو العينين الناعستين ، مائل الابتسامة ، صاحب الخطيئة الأولى ، الذي سرق حبات التوت من شفتيّ قبل أن يحين موعد قطافها ، الذي عرى ظهري للهواء البارد المنعش وأخذ يعزف بأطراف أصابعه على عمودي الفقري ، الذي أذاق انثناءات جسدي طعم شفتيه ، والذي أغرقني في تفاصيل النشوة والفرح . والذي رقصت له بأطراف أصابعي على كفيه ورفعني عاليا حتى عانقت الغمام .
أين ينام في هذه الأرض الواسعة ويتركني للسهاد ؟


- الرسالة الخامسة والثلاثون بعد المائة :

ضوء القمر يتراقص على أطراف الجزيرة . وأنا وحيدة بلا حزن , وأنثى بلا ذكر . أستعيد تفاصيلك بنشوة حدوثها أول لقاء , فعينيك البندقية التي اخترقتني ولم تُمكني من التفكير بشيء سوى التهام ما يقع عليه نظري . أردت اكتشاف الرجال بك , أردت لخطيئتي الأولى تكون على يديك , أردت أن أعري قلبي قبل جسدي لك وحدك . كل ما أردت حدث بطيش وجنون , حدثت سريعة " كبرق يختفي قبل النطق باسمه " **. وغرقت بك فلم أستطع انتشالي منك ولم تلفظني أعماقك إلى شاطئ الحياة لأعيش مع رجل آخر , بقيت بأعماقك ساكنة لا تشعر بوجودي .
ألهبت في داخلي جمرة من جهنم وتركتني أحترق ولا شيء يطفئني , لا ماءٌ ولا عطرٌ ولا قُبلة من شفتيّ أجمل فتيان الجزيرة .
كانت في عينيك دهشة وفي قلبك قسوة . رحلت ولم تترك لي إلا رائحة جسدك ممتزجة برائحة عطر فرنسي أجهل أسمه .




(4)


في مكان منزوٍ في أحد الأكواخ التابعة للفندق الوحيد في هذه الجزيرة فتاة صغيرة أمسكت يد أبيها ..
الصغيرة : أبي خذني لمكان هذه الموسيقى الصاخبة .
الأب : حسنًا يا صغيرة .
مسرح خشبي تتوسطه فتاة في منتصف العشرين بشعر أشقر وعينين لوزيتين ؛ ترتدي قبعة قش يحيط بها شريط دانتيل رفيع و فستان واسع قصير بألوان قوس قزح ترقص في بؤبؤاتها كل ألوان الفرح، أقبل الأب ممسكًا فتاته وهي تتراقص بعينيها الطفولية وبقدميها الصغيرة ، شيء ما في عينيّ الشقراء أربك الأب .. هي ؛ لا ليست هي .. ولم يدله عليها سوى شامة في أعلى فخذها لمحها حينما داعب الهواء فستانها القصير .. هي .. هي ! نفس استدارة الوجه ؛ نفس العينين اللوزيتين ؛ نفس بريق العينين ؛ نفس الفرح المتطاير من خصلات الشعر ؛ نفس الرقصة ؛ نفس النشوة ؛ فقط اكتناز قليل وبروز فاتن في معالم جسدها ؛ وأنوثة طاغية اكتست الملامح . في داخل الأب تردد صوت خفي " يا لله , لم تختلف ففي ابتساماتها , أغنياتها , عينيها , شعرها المبعثر على كتفيها مزيجٌ من الألوان والأفراح , هي الحلوى التي يشتهيها الكبار قبل الصغار" .
الصغيرة مرة أخرى تعيد أبيها من سنين مضت وتطلب منه أن يرفعها على المنصة الخشبية لتشارك الشقراء رقصتها التي تعلمتها على يده ؛ تقترب الصغيرة من الشقراء تصافحها قائلة : مرحبًا .. أنا ديمة .
ترد الشقراء بذات الابتسامة : أهلًا يا صغيرة .. أنا ديمة .






________________

* العشاء الأخير لوحة للفنان ليوناردو دافينشي .
** جملة من فيلم روميو وجولييت ...
لَلَجَمَيَلَهَ,’راويـة,’
لَكَمَ,’ديمة



فاقد and الهوى like this.
" أًحًتًاًجًكٍ طًهًرًاً"


صبر يآ صبر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20/12/2011, 12:12 PM   #2 (permalink)
مراقب
 
الصورة الرمزية خ‘ـَـَيآلْ ♥ ~
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: فــي عــالــمـــي
المشاركات: 6,863
خ‘ـَـَيآلْ ♥ ~ will become famous soon enough

اوسمتي

<< عشت آلجو معهم

حبيت القصه وتفآصيلهآ

قوآك الله
خ‘ـَـَيآلْ ♥ ~ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22/12/2011, 01:14 AM   #3 (permalink)
:: رحلة الابداع في ماسات::
 
الصورة الرمزية الهوى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 2,052
الهوى is on a distinguished road
رائعة جداً ,,
لاعدمنا جديدك صبر ياصبر,,
+1
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا ]


تسلم يدك روح طفله على التوقيع الحلو
الهوى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04/01/2012, 10:01 AM   #4 (permalink)
•● خلنـے بحالـے ●•
 
الصورة الرمزية فاقد
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 6,956
فاقد has a spectacular aura aboutفاقد has a spectacular aura about

اوسمتي

سلمت يدآك صبر ..حزين جميل ..ذلك النص ومبهر
لاعدمنا طلآتك..واحترامي
فاقد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06/01/2012, 01:54 AM   #5 (permalink)
:: مـآسي نشيـط ::
 
الصورة الرمزية ¤ بْــنت آبُوهــآ ¤
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
المشاركات: 142
¤ بْــنت آبُوهــآ ¤ is on a distinguished road

حبيت الروايه صرآحةة زيي تقرأ روايات
بس الحين ما صرت اقرأ
مشكور خيي
{صبر يآ صبر}
¤ بْــنت آبُوهــآ ¤ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
خدمة

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 07:46 PM


روابط إعلانية : السعودية - مجاني.كوم - مزمز



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات ماسات بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لمنتديات ماسات بل تمثل وجهة نظر كاتبها.