20/12/2011, 01:36 AM
|
#1 (permalink)
|
| {آَفًـاً قً لاً تًدًرًكً}
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 779
| ديمة ,’ (1) عودي يا صبية وأغلقي الباب جيدا فلا مطر ، ولا حمامة تحمل رسالة ، ولا تفاح في الحقل ، عودي وخبئي وجهكِ في معطفكِ قبل أن تشيخ بكِ الرياح وتذبل ورود وجنتيكِ . أطرقت الصبية عائدة في الطريق الذي أتت معه ، ثلاثة أكواخ تعبرها تقف عند أوسطها تتنهد وتكمل مسيرها . صوت باب الكوخ يغلق . الفتاة : صباح الخير . الأم : صباح الخير ؛ أين كنتِ ؟ الفتاة : أتفقد حقل العم رامي . الأم : حسنًا تعالي الإفطار جاهز . تضع معطفها جانبًا وتلتحق بأمها على الطاولة الخشبية ذات الثلاثة كراسي . والتي ظل كرسيها الثالث شاغرًا . كل شيء يبدو ساكنًا في تلك الجزيرة ، أهلها وشواطئها وسياحها ، إلا قلب صبية السبعة عشر ربيعًا ثائرًا في ليالي الصيف ، ذابلا في أيام الخريف ، حزينا في مساءات الشتاء ، راقصا في صباحات الربيع ، هي ابتسامة الصباح لأهل هذه الجزيرة ، كالشمس كل صباح تطل عليهم تمنحهم الأمل وعمرا جديدا ؛ هي القلب النابض لهم ، هي الأغنية المفضلة التي يحفظونها كنشيد وطني يرددونه كل الأوقات ؛ وهي الصوت الذي به يحل السلام عليهم . (2) في كوخ العم رامي استعذبت تلك الصبية رائحة لفائف التبغ التي يحرقها بشراهة , وصوت صفحات الكتب يقلبها بين يديه , وأغنيات أم كلثوم التي يضج بها المكان وأوراقه المترامية في كوخه الصغير , والأكواب المترامية فوق بعضها على الجانب الأيسر من مكتبه ورائحة القهوة السوداء التي يملؤها بها . فصارت كل مساء تنزوي في كوخه , مكانها المعتاد الأريكة الحمراء يصنع لهما القهوة ويلتحق بها ليجلس على الأرية يتبادلان الحديث وأخبار أهل الجزيرة . تخبره عن جهاد الشاب الذي يقبل يديها طالبًا أن يحمل سلة التفاح ليبيعها بدلًا عنها في السوق فيحظى بالتقاء عينيه بعينيها . وعن جارهم ذي الخمسة أطفال الذي يلتهم جسدها بعينيه من حين خروجها من كوخهم وحتى يضيع طيفها بين المشاة في الزقاق الضيق . وعن الأطفال " سكاكر الحياة " كما تسميهم , الذين يلتفون حولها لتغني لهم وتراقصهم . وحينما تنتهي أحاديثهما يستأذنها العم رامي ليعود للغرق في صفحات الكتب , ويدخن سجائره , ويتركها تغوص في تفاصيل مبعثرة في داخلها تبدأ بنحتها على الورق . في أحد المساءات وحينما كانت ملامح وجهها تتراقص فرحًا وروحها تحولت لفراشة ربيع تحلق في أرجاء الكوخ جاء صوتها الطفولي : أتعلم يا عم ! العم رامي : ماذا ؟ ... : أنت تلهمني , تلهمني بهذه الفوضى التي تسكنك تسكن هذا الكوخ , في لوحاتك التي ترسمها وتبقيها بلا تكملة , بكتبك البالية من كثرة القراءة , بالأغنيات القديمة التي تحرص على ألا تغلقها طوال يومك , وصورك العتيقة المعلقة بفوضى على جدارن الكوخ , بفنجان قهوتك السوداء , وبابتسامتك الهادئة . العم رامي منتشيًا بما قالته الصبية : لكل منا عالمه الخاص , لكل منا سكنٌ يأوي إليه , ويضيع فيه , هذا الكوخ وضعته لينطق كل شبر منه باسمي ويتمتع بفوضويتي المجنونة ويبقى لي وحدي . الصبية عادت لتقول : هل يعقل أن المكان الذي ينبض بأشيائك بخاصيتك يكون نفسه الملهم لي , فهو أصبح ملاذي الوحيد الذي الجأ إليه حينما تلفظني هذه الحياة وتقسو عليّ . العم رامي : الحياة لا تقسو على أحد , أنتِ يا صغيرتي لم تلتفتي للجانب الآخر منها لم تنظري للبعد الذي لا يلمح منه إلا بياض يميل للشفافية , الجانب الجميل الذي يستعد لاحتضانك يومًا . ..... : الجمال رحل .. رحل , وما عدا ذلك لا يستحق . صمتت برهة وقالت : أتعلم أنت أبي الروحي أبي الذي لم ينجبني , وهذا الكوخ وطني , وما عدا ذلك " فراغ " ! وزرعت عينيها في الجهة المقابلة ناحية لوحة " العشاء الأخير " * اللوحة الوحيدة المعلقة بين الصور العتيقة . ليأتي صوت العم رامي هادئًا دافئًا يحاكي شيئًا في داخل تلك الفتاة : وماذا بعد هذه الرسائل ؟ ..... : فراغ مقلق , مجرد رسائل كتبت لا لتصل . أكتبها فربما تحقق الحلم يومًا فعاد . أكتبها لأشفى من الوجع الذي يسكنني ويبعثرني كل ليلة ويصنعني أملًا يشع به وجه الصباح . أكتبها فلعل الصورة التي تآكلت تحيا من جديد . أكتبها لكي أستعيد لحن أُغنية تلاشى واختفى في حنجرتي . قبلت جبين العم رامي منهية حديثها ومساءها معه , حملت قبعتها وكتابًا ورسائل تحرص على ربطها بشريط دانتيل أحمر . عند الباب أشارت بأصابعها وقالت : وداعًا يا عم , تصبح على طوق فرح . ليرد عليها : وتصبحين على عينيه , وداعًا يا جميلة . (3) كل الرسائل التي نحتتها بدقة متناهية على أوراق بلت مع مرور الزمان , تركتها يومًا متعمدة على مكتب العم رامي بإهمال دون أن تُحكم ربطها بالشريط الدانتيل الأحمر . - الرسالة الأولى : شيء ما مرغ جسدي في التراب ، بلل شفتيّ وأودع في قلبي ابتسامة عذبة ، شيء أشبه بالحلم الوردي الذي لا يأتي إلا مرة واحدة في الحياة ، شيء أعظم من حصوله في سنة ، يشبه المطر أنعش الروح وبعث فيها خيوط الفرح ، يشبه سكاكر الأطفال الملونة بعثر ألوانه في عالمي ، كالبحر ما إن ابتدأ به حتى أعطش لأوله وأنا لم أنتصف فيه بعد ، شيء من الدهشة المفاجئة ، أرسله لي أبي من الجنة على جناح طائر فينيق ، كالجنون أصابني وكرعشة الطفل حين ولادته , صافيًًا كالبلور اللامع ملئني بالدهشة , شيء جميل بجمال العمق الذي خلفه بداخلي . - الرسالة التاسعة والخمسون : الرجل الأسمر ، ذو المنكبين العريضين ، فارع الطول ، ذو العينين الناعستين ، مائل الابتسامة ، صاحب الخطيئة الأولى ، الذي سرق حبات التوت من شفتيّ قبل أن يحين موعد قطافها ، الذي عرى ظهري للهواء البارد المنعش وأخذ يعزف بأطراف أصابعه على عمودي الفقري ، الذي أذاق انثناءات جسدي طعم شفتيه ، والذي أغرقني في تفاصيل النشوة والفرح . والذي رقصت له بأطراف أصابعي على كفيه ورفعني عاليا حتى عانقت الغمام . أين ينام في هذه الأرض الواسعة ويتركني للسهاد ؟ - الرسالة الخامسة والثلاثون بعد المائة : ضوء القمر يتراقص على أطراف الجزيرة . وأنا وحيدة بلا حزن , وأنثى بلا ذكر . أستعيد تفاصيلك بنشوة حدوثها أول لقاء , فعينيك البندقية التي اخترقتني ولم تُمكني من التفكير بشيء سوى التهام ما يقع عليه نظري . أردت اكتشاف الرجال بك , أردت لخطيئتي الأولى تكون على يديك , أردت أن أعري قلبي قبل جسدي لك وحدك . كل ما أردت حدث بطيش وجنون , حدثت سريعة " كبرق يختفي قبل النطق باسمه " **. وغرقت بك فلم أستطع انتشالي منك ولم تلفظني أعماقك إلى شاطئ الحياة لأعيش مع رجل آخر , بقيت بأعماقك ساكنة لا تشعر بوجودي . ألهبت في داخلي جمرة من جهنم وتركتني أحترق ولا شيء يطفئني , لا ماءٌ ولا عطرٌ ولا قُبلة من شفتيّ أجمل فتيان الجزيرة . كانت في عينيك دهشة وفي قلبك قسوة . رحلت ولم تترك لي إلا رائحة جسدك ممتزجة برائحة عطر فرنسي أجهل أسمه . (4) في مكان منزوٍ في أحد الأكواخ التابعة للفندق الوحيد في هذه الجزيرة فتاة صغيرة أمسكت يد أبيها .. الصغيرة : أبي خذني لمكان هذه الموسيقى الصاخبة . الأب : حسنًا يا صغيرة . مسرح خشبي تتوسطه فتاة في منتصف العشرين بشعر أشقر وعينين لوزيتين ؛ ترتدي قبعة قش يحيط بها شريط دانتيل رفيع و فستان واسع قصير بألوان قوس قزح ترقص في بؤبؤاتها كل ألوان الفرح، أقبل الأب ممسكًا فتاته وهي تتراقص بعينيها الطفولية وبقدميها الصغيرة ، شيء ما في عينيّ الشقراء أربك الأب .. هي ؛ لا ليست هي .. ولم يدله عليها سوى شامة في أعلى فخذها لمحها حينما داعب الهواء فستانها القصير .. هي .. هي ! نفس استدارة الوجه ؛ نفس العينين اللوزيتين ؛ نفس بريق العينين ؛ نفس الفرح المتطاير من خصلات الشعر ؛ نفس الرقصة ؛ نفس النشوة ؛ فقط اكتناز قليل وبروز فاتن في معالم جسدها ؛ وأنوثة طاغية اكتست الملامح . في داخل الأب تردد صوت خفي " يا لله , لم تختلف ففي ابتساماتها , أغنياتها , عينيها , شعرها المبعثر على كتفيها مزيجٌ من الألوان والأفراح , هي الحلوى التي يشتهيها الكبار قبل الصغار" . الصغيرة مرة أخرى تعيد أبيها من سنين مضت وتطلب منه أن يرفعها على المنصة الخشبية لتشارك الشقراء رقصتها التي تعلمتها على يده ؛ تقترب الصغيرة من الشقراء تصافحها قائلة : مرحبًا .. أنا ديمة . ترد الشقراء بذات الابتسامة : أهلًا يا صغيرة .. أنا ديمة . ________________ * العشاء الأخير لوحة للفنان ليوناردو دافينشي . ** جملة من فيلم روميو وجولييت ... لَلَجَمَيَلَهَ,’راويـة,’ لَكَمَ,’ | " أًحًتًاًجًكٍ طًهًرًاً" |
| |