منذ /26/07/2010, 02:55 AM
|
#1 (permalink)
|
| دلالة الموت والذاكرة في رواية" رحلة غاندي الصغير" دراسة دلالة الموت والذاكرة في رواية" رحلة غاندي الصغير"
لإلياس الخوري.
1/ تاريخ مرحلة.
لقد استطاعت أحداث حرب1967 بنتائجها السلبية على العرب، خصوصا بعد هزيمتهم الغير المتوقعة من طرف الكيان الصهيوني الغادر،أن يعيدوا النظر في ذواتهم بمحاولات جمع الشتا ت وإعادة قراءة تقويمية لما حثل.
وقد استطاعت هذه النكسة أو النكبة حسب رؤية النقاد إليها أن تخلف ردة فعل قوية لدى الأوساط المثقفة من حيث معالجتهم لجوانب هذه الهزيمة ،أسبابها الظاهر منها والخفي،وأدلى الروائيون بدورهم في هذه القضية،فكتب عبد الرحمان منيف روايته "حين تركنا الجسر" وكاب جبرا ابراهيم جبرا روايته" البحث عن وليد مسعود" وكتب حيد حيدر روايته"الزمن الموحش".
إن هزيمة1967 قد غيرت مسار الرواية العربية،فتجددت تيماتها ومضامينها،وأصبجنا نتحدث عن الإبداع الشعري والروائي والقصصي قبيل الهزيمة وبعدها.
ومادام التواجد الإسرائيلي في المنطقة العربية،أصبح يهدد مجمل الدول العربية،خصوصا دخوله لبنان يعتبر مأساة أخرى تـنضاف الى الى مأساة فلسطين.
ومادام الأمر كذلك،فقد كتب الروائي" إلياس الخوري" روايته" رحلة غاندي الصغير" يصور من خلالها مذابح صبرا وشاتيلا وغيرها من أشكال الإجرام الوحشية التي يمارسها الصهاينة على المواطنين اللبنانيين المسالمين.
2/ التصريح بالهوية:
إلياس خوري روائي لبناني متميز على الصعيد العربي،ومن بين مؤلفاته:
ـ عن علاقات الدائرة:1975 ـ1980.
ـ الجبل الصغير:1977 ـ1984.
ـ أبواب المدينة:1981.
ـ الوجوه البيضاء:1981/1984.
ـ المبتدأ والخبر(قصص)1984.
ـ رحلة غاندي الصغير:1989.
• الدراسات:
ـ تجربة البحث عن أنت:1984.
ـ دراسات في نقد الشعر:1979.
ـ الذاكرة المفقودة:1982.
ـ ومن الإحتلال::ك1985.
لقد كان اختيارنا لرواية" رحلة غاندي الصغير" بالدراسة والتحليل لتوفرها على مجموعة من التيمات والقضايا الأساسية المرتبطة بالإنسان بكل مقوماته الذاتية والموضوعية،ولتداخل السياسي بالثقافي والرومانسي بالفكري.
3/ المستوى الدلالي في الرواية.
تطرح رواية" رحلة غاندي الصغير" حكاية عبد الكريم حصن الأحمدي الملقب بغاندي الصغير،وانتقاله نت نهن حقيرة الى أخرى،فاشتغل ماسح أحذية وصاحب مطعم،واشتغل نادلا في المقهى وغيرها من المهن الرديئة.
غاندي الصغير سيجابه الحياة بكل قساوتها وصراعها،وعيشه مع زوجات أبيه،وموت الأب،وتزوجه ببنت عمه فوزية.
وتتناول الرواية واقع لبنان،والحرب ودخول اسرائيل إليها،وقتل العديد من الضحايا.
ولبنان تحمل أكثر من انطباع وذاكرة،كتواجد المسيحيين والرهبان والقساوسة،واصفا منطقهم وتساؤلاتهم وفلسفتهم في الحياة إلى جانب الإيطاليين والفرنسيس والإتحاد السوفياتتي.
نساء ورجال جمعتهم الصدفة،وفرقتهم الأقدارعمن يحبون،مثل فيتسكي الوسية التي انفصلت عن خطيبها الضابط،الذي تاه عنها،فعوض أن تتجه الى الاسكندرية لعلها تلقاه،جاءت لتسكن لبنان،ومازالت مخلصة له بالرغم من أن المطران اثناسيوس حاول اغتصابها لكنها هربت وتخلصت منه.
بالإضافة إلى أليس التي تعتبر شخصية محورية ورئيسية في الرواية،إنها تحكي،وعلاقتها بغاندي الصغير علاقة ذات أبعاد نفسية لها جذورها الروحية والتاريخية.
غاندي يتحمل مسؤولية عائلته،فقدان ابنته وعودتها بعدما وجدت في المزبلة،وفقدانها لعقلها واصابتها بالجنون،والموت اليومي للبنانيين،وهجرة الكثيرين منهم بفعل الحرب،وقساوة الحياة،وعلاقات نهى الجنسية وموتها المفاجئ.
وتنتهي الرواية بموت" غاندي الصغير" يقول السارد:
" قالت ألس أنه مات،جئت ورأيته،غطيته بالجرائد،ولم يكن أحد،زوجته اختفت،كلهم اختفوا،وبقيت وحدي،قالت أليس أنها أخذته الى المقبرة،ورأت الناس بلاوجوه،قالت تكلمت معهم ولم تسمع أجوبتهم،تم تركتهم وراحت،هكذا انتهت حكاية عبد الكريم الأحمدي المغايري الملقب بغاندي الصغير" ص12.
4/ دلالة الموت في رواية" رحلة غاندي الصغير"
إن القراءة الأولية لرواية"رحلة غاندي الصغير" تكشف بوضوح دون صعوبة تذكر هيمنة معجم الموت،واتساع فضائه،فمنذ أول صفحة حتى نهاية الرواية يكتسح الموت نفسية الشخصيات/ويهمين عليها بوعي أو دون وعي،والحقيقة بارزة للعيان،مادامت لبنان تعيش مرحلة حرب مدمرة لا أول لها ولا أخر.
إن اجتياح الجيش الإسرائلي للبنان يعد نذير شؤم على بداية تحول مسار مصير اللبنانيين،فالمذابح والمجازر التتي نفذها الصهاينة ضد اللبنلنيين تعد من قبيل حصاد الموت الكلي والشامل.
يقول الراوي:
"إن الحرب قد أفقدت الجميع عقولهم" ص203.
وهذا تعبير صريح على طبيعة المأساة التي هيمنت على نفسية اللبنانيين وأثرت في عقولهم صبح مساء.
" كانت بيروت مختلفة في ذلك الصباح،كان الصباح يحمل رائحة الموت،مسلحون في كل مكان وحركة،كأن الذين ماتوا لم يموتوا،كأن الحرب لم تنته،كأنها بدأت" ص198.
إن رائحة الموت كما يعبر السارد منتشرة في كل مكان،مادامت هناك قوة فوق كل قوة
( التواجد الإسرائيلي) .
بيروت تعاني من حالة طوارئ قصوى لاحدود لها،حالة التأهب للحرب،المواطنون العزل،ووطأة المحتل مالها حدود،ولاتردعها نزعات حنان، ولاتردها استعطافات ولاتوسلات النساء والشيوخ والأطفال،ولا تتراجع عما هي مزمعة عليه من تخريب للبيوت وتشريد للعائلات.
"أليس تقول أن حصن مات،ذهب الى الحرب ومات، ألم تسمع الموت؟ قالت لي: كل الشباب راحوا الى الموت كانوا يضربون قذائق إل7 ويصرخون الله أكبر ويموتون يومها مات الجميع" ص160.
أما إليس باعتبارها إحدى الشخصيات المتحكمة في دفة سرد الأحداث،كانت الشاهد الوحيد على موت غاندي الصغير برصاصات خائنة وغادرة من طرف الجنوذ الإسرائليين.
إن النص الوارد في الرواية عن مقتل غاندي الصغيرفي الصفحة12 يتكرر مرات كثيرة في الروايات(في بدايتها ووسطها ونها يتها).
وهذا التكرار يحمل خصيصة أساسية كون عبد الكريم حصن الأحمدي المغايري الملقب بغاندي الصغيرليس مجرد شخصية عادية لا يهم أن تتعرض للموت كباقي النلس ،بل كونها بطلا نموذجيا يعي الحياة،ويصارعها ويفعل فيها،إنها وثيقة تاريخية تشهد على تاريخ حافل بالصور حول(بيروت/ الذكرى،بيروت/ الالم.
يقول الراوي:
" مرة واحدة حدثتني عن موتها،قالت أشياء لا أذكرها ولا أستطيع تاليفها،قالت عن الموت إنه نهاية الراحة،الموت هو بداية التعب" ص202.
5/ دلالة الذاكرة في رواية" رحلة غاندي الصغير"
بدون الذاكرة لا يمكن أن تكون هناك رواية او قصة او حكاية.
ففي رواية"رحلة غاندي الصغير" توجد أكثر من ذاكرة حكائية:
أ: ذاكرة غاندي الصغير.
ب: ذاكرة سمعان فياض.
ج: ذاكرة نهى.
د: ذاكرة أبو العباس.
م: ذاكرة وطنوي.
ل: ذاكرة أبو جميل.
ق: ذاكرة الشيخ زكريا.
لكن الذاكرة الأكثر حضورا في الرواية ذاكرة" أليس" الشخصية التي تحكي باستمرار وبلا انقطاع حكاية"غاندي الصغير" وما حواليه.
تقول أليس:"الذكريات مغارة،والآن عندما أحاول أن أروي،أكتشف أن في قعر البحر الكلمات،ليست علامات على الطريق بل هي علامة تضيعني" ص141.
لقد اعتبرت أليس الذكريات مغارة،ليس من السهل سبر أغوارها والدخول إلى أعماقها الى باستحضاركل جوانب المعارف التي من خلالها لا يمكن أن نحكي.
الغارة لغز،تحتاج الى اكتشاف،الى استكناه عوالم أكثر بعدا في الزمن،استحضار الأحداث والوقائع،يحتاج الى ذاكرة قوية.
تقول اليس:
" أروي فأكتشف أن الذكريات ليست ذلا، يل هي مجموعة من الأوهام التي لا يمكن ربطها ببعضها كأنها سلسلة فرطت وغرقت في قعر البحر" ص141.
الذكريات بالنسبة لأليس ليست أكثر من تخريف،إنها تجدد على الإنسان مواطن العذاب وتذيقه ألوان الحسرة والكأبة على ما كان.
الذكريات مجرد وهم لا ينبغي التفكير فيه بأي شكل من الأشكال،إنه مأساة متكررة في حياة الانسان.
"الذكريات ذل يابني،وقت يللي واحد بيقعد،وما يعود عندهش الا الذكريات يعني خلص الحمار وزيتاته على اخر" ص118.
إن الذاكرة وهي تستحضر،معطيات الماضي،تتعب في استرجاع هذه المعطيات(تذكر/ استذكار/ استحضار/ شحذ الذاكرة/ تحريكه) من أجل اعادة بناء الواقع/ الماضي وتحويله الى الواقع/ الحاضر الذي يسكن الذوات،لكن الذكريات ذل لأنه يجعل الانسان ضعيفا الى أقسى الحدود.
في نهاية الرواية تتجمع ذاكرة الراوي،وهي تستحضر كل الشخصيات التي عاشرها أو رآها من بعيد،اللبنانيين الذين هاجروا،الغرباء الذين جعلوا من لبنان وطنا لهم.
يقول الراوي:"الماء الذي يبتلعه يجرفني الى القاع،الى جيث أمضي فأرى وجوههم كلهم،أسبيرو وفوزية وملكو،وسعاد وعبد الحكيم،ودايفيزونهى وليلان،وقسطنطين وأبو العباس،وطنوس وأبوجميل،وحصن وريما والشيخ زكريا والسنبك ومقام أبو هريرة والزبلع الأوحد وألفرد وفيتسكي وسمعان فياض وجده المطران اتناسيوس والراهبة وجوزيف والمعلم أحمد والجبل الصغيري وشكري الشاعر والجرائد التي هربت منها الكلمات وأبوسعيد المنلا ينام تحت صراخ مئذنته"ص204.
كل الوقائع التي رآها غاندي الصغير،استجمعها أو لعل اليس حكت له كل شيء بالتفصيل ربما استعادت ذاكرتها بعد موته مباشرة.
يقول السارد:
" قالت اليس أنه مات.
جئت ورأيته غطيته بالجرائد،ولم يكم أحد،زوجته اختفت،كلهم اختفوا....هكذا انتهت حكاية عبد الكريم حصن الأحمدي المعايري الملقب بغاندي الصغير" ص12.
تتكرر هذه الفقرة ،في بداية الرواية والوسط والنهاية لتؤكد مأساة غاندي الصغير،ورحيله المفاجئ برصاصات طائشة من جندي اسرائيلي،لتؤكد مرة أخرى ماساة الشعب اللبناني من جراء الحرب القاتلة التي لاتفرق بين الأخ وأخته، والزوجة وزجها، إنها حرب مدمرة ليست إلا.
|
|
| |