«كان يا ما كان في قديم الزمان، وخير ما نبدأ به الكلام الصلاة على سيدنا محمد خير الأنام».
إن الكثير من أبناء جيلنا قد أمتعتهم تلك العبارة فهي المدخل لحكاية تحملهم على أجنحتها إلى عالم من المتعة والبهجة، ولطالما استمعوا لها وحدقات عيونهم المتسعة متسمرة على وجه الجدة العجوز، ولم يكن يخطر ببالهم أن للحكاية أبعادًا تتجاوز ما تقصه من أحداث وما تثيره من متعة. إن اتساع حدقة العين ما هو إلا طريق لانفتاح الفكر والعقل في عمق المشاعر والوجدان.
............ الحكاية تشكل نفسية الطفل
فائدة بعد أخرى نعيد اكتشافها في الحكاية، فإن الدور المهم الذي تؤديه في إمتاع نفوس أطفالنا ليس هو الدور الوحيد ولا هو الدور الأهم، فاليوم بتنا نعرف أن الحكاية تساهم في تشكيل نفسية الطفل، وتلعب دورًا لا يستهان به في تكوين شخصيته... وقد يستغرب البعض أن يكون للحكاية هذا الدور المهم إلا أن الخبرة العملية بالإضافة إلى شهادة الخبراء في هذا المجال تؤكد ذلك، كما أن الله عز وجل لما جعل شطرًا من القرآن الكريم عبارة عن قصص، فليس هناك من يستطيع أن يقول: إن ذلك بهدف التسلية.. تعالى عن ذلك سبحانه.
فالقصة التي تجد طريقها بسهولة إلى نفس الإنسان تستطيع عبر الحكاية والإبهار أن تحمله إلى عوالم أخرى مختلفة عن عالمه الضيق المحسوس، وتجعله يحلق فيها منعتقًا من أسر الواقع وقيود الحاضر الذي يعيشه، مما يجعل ذات ذلك الإنسان مستعدة لتقبل الطروحات الجديدة التي تقدم إليه من خلال القصة، فتمس داخله مباشرة دون حواجز ولا أسوار، ولا عراقيل تقلل من وقعها وتأثيرها فما بالك إذا كان ذلك الإنسان طفلاً ونفسه صفحة بيضاء مستعدة للاحتفاظ بكل ما يكتب فيها...
ولعل المعاينة الواقعية لصحة ما نقول سهلة للغاية، فبإمكان كل منا أن يجرب تقديم معلومة على شكل قصة مشوقة، ويقدم المعلومة نفسها بشكل سرد مجرد، أو أمر... أو غيره من أساليب الكلام، ثم يختبر رسوخ تلك المعلومة ويقارن بين الطريقتين وأنا أدعو جميع المربين لاختبار ذلك ولا أشك للحظة أن النتيجة ستكون في صالح القصة.
........... بطل حكايتنا هو قدوة لطفلنا
مما لا شك فيه أن القصة تقدم مفاهيم كثيرة للأطفال، كما أن لديها القدرة على تقديم الحياة على تعقيدها بطريقة يسهل فهمها من قبل الطفل، ولكن أهم دور تقوم به هو تقديم القدرة الجيدة التي يترسم الطفل خطاها في حياته الواقعية، فبطل القصة هو القدوة التي يحاول الطفل تقليدها، ونحن كلنا نشاهد أطفالنا وهم يحاولون تقليد أبطال القصص الكرتونية، أو أبطال القصص التلفزيونية المسلسلة، ولو أننا نجحنا في تقديم حكاية تجعل من عالم أو باحث أو مصلح اجتماعي هو البطل والقدوة لحققنا نجاحًا كبيرًا، لأننا نكون بذلك أرسينا أساسًا يمكن لنا أن نستثمره ونحوله من مجرد إعجاب إلى تقليد سلوك ومنهج حياة؛ لأن في هذه النقطة بالذات يبرز دور الحكاية في حل مشكلة من أهم مشاكل هذا الجيل، هي غياب الهدف، فبطل الحكاية سيساعد في تعليم الطفل كيفية تحديد هدفه في الحياة والسعي بجد واحتمال المشاق من أجل تحقيقه، كما يبرز دور الحكاية وأبطالها في تعليم الصغير الاستقلالية، وتمهد له الانفصال عن أمه وخوض غمار الحياة مستقلاً ليحقق فيها دوره الموكل به، ومعانٍ كثيرة أخرى تساعد القصة على غرسها في نفس الطفل.. ولقد فهم أجدادنا ذلك فصاغوا حكاياتهم من الجرأة والإقدام ومكارم الأخلاق... مما ساعد على رسم تصور إيجابي لإنسان كامل الإنسانية لكي يتبناه الصغير ويحاول أن ينسج حياته على ذلك المنوال.
........... دور الحكاية في بناء عقل الفرد
وقد عرضت الباحثة التربوية جورجيا مخلوف (رئيسة محترفات الكتابة في باريس) لذلك الدور التربوي للحكاية، وتوصلت إلى أن الحكاية والحلم يشتركان معًا في القدرة على سرقتنا من الواقع. ففي الحكاية هناك دائمًا الشخص الذي يسافر، أو يغامر بعيدًا عن بيته، وانفصال أبطال القصص عن بيئاتهم الأولى يساعد الأطفال على إنجاز استقلاليتهم عن أمهاتهم، ومن ثم استكمال بناء هويتهم الجنسية، فالحكاية هي الذاكرة وقد صيغت كحلم، والذاكرة هي الملكة الأساسية في الدماغ وبالتالي فالحكاية تساهم بشكل فعال في بناء عقل الفرد وفي صياغة أحلامه.
.......... طبيبة نفسية تعالج الأطفال بالقصص
عندما تخلد صغيرتي إلى فراشها، وتسحب الغطاء فوق رأسها، وأبدأ أنا في قص الحكاية، أحرص أن تدور حكايتي حلو مشكلة صادفتني مع ابنتي أثناء ساعات النهار، وأقوم بحبك أحداث تبين لصغيرتي ما أريد قوله لها، وأضمنها الرسالة التربوية التي رفضت سماعها بشكل مباشر، فأجعل أبطال القصة ينطقون بها، بينما أقف أنا وابنتي في صف واحد نستمع لهم وهم يتحدثون، فالحكاية مكنتني أن أكون أنا وابنتي في جانب واحد، ولم نعد على طرفي نقيض، وهي لم تعد في وضع التحدي.. إنني وهي في صف واحد، نتشارك في تحليل ما يقوله أبطال القصة، فنرفض بعضه ونقبل البعض الآخر وفي النهاية نتفق على أننا يد واحدة في وجه المشكلة. مرات ومرات استطعت أن أقنعها بتبني سلوك طالما رفضت تبنيه أثناء النهار، ولطالما شعرت بالانبهار بسهولة الوصول إلى نتائج رائعة على ذلك النحو.
إلا أن الانبهار الحقيقي بدور القصة هو ما تحدثت عنه عالمة النفس اللبنانية "غارين زوهرابيان"، وتعترف تلك الطبيبة بأنها لم تكن تنوي استخدام القصة في علاج مرضاها من الأطفال الصغار، ولكن قدرًا راحوا يروون لها قصص أطفال مع تحويرها عن الأصل المتعارف عليه، وقد راحت تبحث عن سر رواياتهم المختلفة، وتحويراتهم المبتكرة، مما قادها إلى الكشف عن سبب المرض النفسي الذي يعانون منه.
إن ما سمعته عن تجربة الدكتورة زوهرابيان جعل دور ابنتي ليس فقط الاستماع إلى الحكاية قبل النوم، ولكن صرت أشجعها على أن تقص لي هي حكاية أيضًا، لعلها تضمن بتلك الحكاية ما تكتم في نفسها من ضغوط ومعاناة ما كان لها أن تفصح عنها إلا على لسان شخص آخر تجعل منه بطلاً لروايتها.
............ الحياة حكاية فتعالوا نحكيها
إذا كانت الحكاية لها القدرة على تكوين شخصية طفلنا ولها القدرة على شفائه من الأمراض والضغوط النفسية، فلماذا لا نوليها الأهمية التي تستحق؟ ولماذا نترك أطفالنا عرضة للقص الهابطة، والشخصيات المنحرفة التي يتعرفون عليها عبر وسائل الإعلام المختلفة؟
إن فكرة أن القصص الكرتونية التي يشاهدها أطفالنا لن تؤثر في أنفسهم، ولن يكون لها دور في تكوين شخصياتهم هي فكرة أثبت العلم والخبرة خطأها، وأن ما ينغرس في نفوس أولادنا من تلك البرامج المدمرة لن نستطيع أن نصلحه بكلمة واعظة، ولا بتوجيه كلامي ولا حتى بخطبة رنانة، لأن كل الدلائل تثبت أن تأثير القصة أقوى وأشد من تلك الوسائل الوعظية، وما علينا نحن المربين إلا أن نشمر عن ساعد الجد في البحث عن قصص هادفة تقدم أبطالاً نرتضيهم أن يكونوا قدوة لأولادنا.
........... الطرق لتفعيل دور الحكاية
وهناك طرق عديدة لتفعيل دور الحكاية في حياتنا وحياة صغارنا ولعل أهمها:
ـ تشجيع العودة إلى الجلسات الأسرية التي تقص فيها الحكايات والقصص، ولنكن نحن أول المستمعين لما سيقصه الجد أو الجدة، بل يمكننا أن نخطط لذلك ونفتعل المواقف التي تحبب الجميع في هذه الجلسات الجميلة.
ـ القص ليس مقتصرًا على كبار السن، فقد يكون عند الشباب موهبة حكاية الحكايات، فيستحسن أن نشجعهم على ذلك، فهو فن لا يقل أهمية عن أي نوع من أنواع الكلام الأخرى.
إذا كانت الحكاية التي تروى في مجال الأسرة لم تستوعب حاجة أطفالنا للقصص فلا باس من البحث عن هذه القصص والحكايات الممثلة، أو الحكايات الكرتونية في أفلام الفيديو.
إذا رغب أطفالنا في مشاهدة أي حكاية على شاشة التلفاز ـ كأن يكونوا سمعوا عنها من زملائهم ـ فيجب الجلوس معهم ومشاهدتها لنتمكن من تصحيح الأفكار الخاطئة التي قد تتضمنها القصة.
إن الحياة التي نحياها هي مجموعة من الحكايات تجمعت مع بعضها بعضًا، فلماذا لا نحاول أن نحللها من جديد ونرويها كما نشعر بها، ولكن قبل أن ننهي الحكاية، ويتوقف الكلام، لابد أن ننهيه بالصلاة والسلام على محمد خير الأنام.